6 فنون في صناعة التعليم الإلكتروني

من طفولة غلب عليها البؤس والشقاء تحوَّل إلى عَلَم من أعلام الثقافة في سورية. إنه القاص والشاعر فاتح المدرِّس الذي لمع أكثر ما لمع في فن الرسم الذي ترك فيه بصمات واضحة على مستوى الوطن العربي بأسره، الدكتور أحمد زياد محبك يرسم لنا صورته الشخصية.

ولد فاتح المدرِّس في قرية حريتا في شمال سورية عام 1922م لأب إقطاعي من مدينة حلب ولأم كردية من إحدى قرى الريف. فكان هذا النسب سبباً في نقمة أسرة أبيه عليه، فنشأ في رعاية أخواله في الريف، حيث عاش حياة قاسية متنقلاً مع أمه الكردية في قرى الشمال.

كان فاتح في السادسة من عمره عندما أقدم أعمامه على قتل أبيه واستولوا على ميراثه، فعاش فقيراً، وعايش ظلم الإقطاعيين، فكره الإقطاع وتعاطف مع الفلاحين، وأحب الأرض. وبقيت صورة شقاء أمه ماثلة في ذهنه طوال عمره، وعبَّر عنها لاحقاً في صورة المرأة المعذبة التي ظهرت في أعماله الفنية، وانتشرت في أرجاء العالم كله.

الدراسة والعمل والفن
تلقى فاتح المدرِّس تعليمه في مدارس حلب، وبرزت موهبته في فن الرسم باكراً. وفي العام 1950م، وكان في الثامنة والعشرين من عمره، أقام معرضه الأول في نادي اللواء بحلب، فلفت الأنظار إليه، وتم ابتعاثه إلى روما عام 1957م حيث نال إجازة في فن الرسم من أكاديمية الفنون الجميلة العليا عام 1960م. ثم إلى فرنسا عام 1971م للدراسة في المعهد الوطني العالي للفنون الجميلة في باريس.

حظيت مئات المعارض التي أقامها فاتح المدرِّس أو شارك فيها بنجاح تلو النجاح، وتكدست على صدره الأوسمة والجوائز من فلوريدا في أمريكا، إلى روما وساوباولو، وصولاً إلى عاصمة بلده دمشق. دخلت لوحاته معظم متاحف الفن الحديث في العالم. وما من متحف يعنى من قريب أو بعيد بالفن العربي المعاصر إلا وبات لزاماً عليه أن يحوي لوحة على الأقل لهذا الفنان، الذي ليس من المبالغة القول إنه كان في الربع الأخير من القرن العشرين واحداً من أشهر الرسامين العرب إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق.

وإلى جانب الرسم في محترفه، عمل المدرِّس أستاذاً في كلية الفنون الجميلة بدمشق. وانتخب عضواً في المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية، ورئيساً لنقابة الفنانين. كما أنه عضو مؤسس في اتحاد الفنانين التشكيليين العرب، وفي اتحاد الكتَّاب العرب.

لوحاته تحفظ طفولته
تأثر المدرِّس في لوحاته الفنية بالسريالية، ولكنه لم يتقيد بها، إنما كانت عوناً له على تصوير عالمه الداخلي وما فيه من معاناة قاسية عاشها في طفولته في ريف الشمال. كان يبحث دائماً عن التجديد، ولذلك سرعان ما ظهر تأثره بالتعبيرية، فقد وجد فيها ما يساعده على التعبير عن مخزونه الوجداني من خلال تصوير الموضوع الخارجي. فالطبيعة لم تعد الطبيعة، وإنما غدت صورة وجدانه الداخلي. ومن لوحاته الشهيرة لوحة عنوانها كفر جنة ، وهو اسم قرية في الريف شمال حلب، وقد حاز بها الجائزة الأولى عام 1952م في مسابقة وزارة المعارف، وحقق بها شهرة واسعة.

والإنسان في لوحات المدرِّس مقموع مقهور، يظهر فيها كئيباً حزيناً وقد اختزل في شكل مربعات، كأنه سجين يطل من كوة ضيقة. وتظهر الطبيعة في لوحاته من منظور مائل والإنسان ملتصق بها في وضع مأسوي قلق، والطبيعة عنده امتداد للريف الذي عاش فيه طفلاً.

ويصف سلمان قطاية فن المدرِّس فيقول: الأرض كما يرسمها فاتح المدرِّس في لوحاته حمراء قاتمة كأنها عجينة من التراب والدم المسفوح على تلك السهول الشاسعة دفاعاً عن الأرض وعن الإنسان خلال آلاف السنين …أو أنها أحياناً سوداء محمرة كعين أصابها سوء فانقلبت تصب شواظاً وحمماً على من حاول أن يدوسها .

الأديب والشاعر
وإلى جانب الرسم الذي حلَّق فيه، نشر فاتح المدرِّس مجموعة قصصية ومجموعتين شعريتين. فقد كتب القصة في الخمسينيات، ونشر خمساً منها عام 1981م في مجموعة حملت عنوان إحدى القصص وهو عود النعنع ، وهي من أشهر قصصه، وتصور الفتاة الريفية الصغيرة عالو وهي تمضي تحت الشمس الحارقة إلى بيت الآغا تتوسل إلى زوجته كي تمنحها حبة كينا لأمها المريضة. ولكن زوجة الآغا تطردها، وتنصحها ساخرة بأن تقطف لأمها عود نعنع. وترجع الصغيرة خائبة تحت الشمس الحارقة، وتمر بالنهر والنسوة يغسلن الثياب فيه، فتقترب منه كي تروي ظمأها، وترى على الضفة شجيرة نعناع، تدنو منها لتقطف عوداً، ولكن قدمها تنزلق، ويخطفها التيار، وتغوص في أعماق النهر، ويتجلى لها وجه أبيها يحاول إنقاذها، وهو الذي غرق في النهر نفسه من قبل، كما يتجلى لها وجه أمها المريضة وهي تعصب رأسها، ولكنها تغوص أكثر، وهي تمسك بيدها عود النعنع.

وفي عام 1962م، طبع المدرِّس عدداً محدوداً من النسخ من ديوان شعري عنوانه القمر الشرقي على شاطئ الغرب ، وهو ديوان مشترك مع صديقه شريف خزندار، كما أصدر مع الشاعر حسين راجي مجموعة شعرية مشتركة عام 1985م عنوانها الزمن السيئ ضمنها بعض قصائده النثرية، وهي تأملات في المجتمع والحياة المعاصرة.

قيل عنه، أما هو فيقول!
يصف غازي الخالدي شخصية صديقه المدرِّس، فيقول: هو قريب للقلب بتواضعه وبساطته، وعفويته. عندما تدخل إليه في مرسمه، من دون موعد مسبق طبعاً، تجده أحياناً يعزف على البيانو، أو يكتب خاطرة فكَّر فيها للتو واللحظة، أو تجده يدعوك إلى تناول قطعة جبنة قشقوان مع نصف قدح من الشاي، قد يطلب منك أن تصنعه بنفسك على سخانة في المدخل الأول عند باب مرسمه. يبدأ الحديث عن الفن وعن الفنانين، وعن اللون وعن الموسيقى وعن الأدب وعن الفلسفة، ويكاد لا ينتهي وأنت تشعر وكأنك مسحور بكلامه الجميل المرتب الأنيق الذي فيه تلخيص لخبرات العمر في الفكر والأدب والفن والموسيقى.

ما جلست مرة مع فاتح المدرِّس إلا وتعلمت منه شيئاً جديداً، شيئاً رائعاً يلفت النظر، يجعلك تشعر بأن الحياة جديرة بأن يعيشها الإنسان .

أما فاتح المدرِّس نفسه، فيتحدث عن العملية الإبداعية عنده فيقول: عندما أرسم، أشعر بأن هناك ظلمة شديدة أطبقت على كل شيء، وأنني أخرج من نفق، وأنني أرى نوراً في داخل رأسي، وكأن ريحاً باردة تهب على وجهي، فأبتسم وأعرف أنني وصلت إلى قمة الانفعال في اللوحة، وأعرف أنها انتهت… هذا هو الإحساس في كل عمل أقوم به، وكل لوحة لا أمر بها في هذه الحالة أعتبرها عملاً كاذباً وغير ناضج .

في العام 1999م توفي فاتح المدرِّس، بعد حياة حافلة بالعطاء. فانطفأت الشعلة التي أضاءت عالم فن الرسم العربي في القرن العشرين.. شعلة اتقدت على الأرجح من عود ثقاب أحرق طفولته.