من التعليم التقليدي إلى التعليم باستخدام الإنترنت

لقد أصبح الإنترنت خلال السنوات الماضية أكبر شبكة اتصالات بين الناس والمؤسسات على مستوى العالم أجمع، وتزداد هذه الأهمية من لحظة لأخرى بديناميكية لا يمكن تخيلها، رغم ما يبدو فيه من فوضى عارمة إلا أنه يظل المبدأ الأساسي السائد هو الفاعلية ( Efficiency ). ولعل أوضح المجالات التي يظهر فيها تأثير مبدأ الفاعلية هو مجال التعليم الإلكتروني.

إن من يعتقد أن الأمر يقتصر على أن يقوم المعلم بإبلاغ التلميذ الموجود في مكان آخر عبر جهاز الكمبيوتر بما يجب أن يقوم به من واجبات، ثم يعيدها هذا الطالب إلى معلمه بعد الإجابة عنها، من يظن ذلك فإنه لم يدرك بعد جوهر هذه العملية. إذ أن التعليم الإلكتروني لا يعني مجرد استغلال الإمكانات التقنية المتاحة فحسب، بل هو عبارة عن ثورة في عالم التعليم، فعلى سبيل المثال: إذا قامت مدارس في كل من برلين ( ألمانيا )، وفي مانيلا ( الفلبين ) والرياض ( السعودية ) وتورنتو ( كندا ) بإقامة شبكة اتصال بينها عن طريق الإنترنت، وكان تلاميذ أحد الصفوف في هذه المدارس يدرسون جميعًا موضوعًا مشتركًا، هو جغرافيا المناخ في الأقاليم المختلفة من العالم، واستمر التلاميذ طوال عام دراسي يتبادلون المعلومات مع زملائهم في بقية أنحاء العالم حول المناخ ودرجات الحرارة في أيام محددة، ومعدلات الرطوبة… إلخ، فإن الأمر سيصبح دون شك أكثر تشويقًا، لأن المعلومات تأتيهم من منبعها الأول، من زملائهم، علاوة على الشعور بأهمية المعلومات التي يتوصلون إليها اعتمادًا على تجاربهم الذاتية، وقياساتهم الفعلية لبقية زملائهم في أنحاء العالم. وهذا النوع من الدروس سيكون نابضًا بالحياة، ويؤدي إلى توسيع معلوماتهم ويجعلها أكثر تركيزًا، إضافة إلى أن الاتصال عن طريق كاميرات الإنترنت والاتصال المباشر مع زملائهم يؤدي إلى تنمية معرفتهم باللغات الأجنبية، والتعرف على أنماط معيشية مخالفة لحياتهم، مما يثري الحصص بدراسة بعد اجتماعي، ويساعد على زيادة التفاهم بين الحضارات والثقافات المختلفة.

إلى جانب ذلك هناك الفائدة الكبيرة الناتجة عن الاتصال بين المعلمين من مختلف القارات، وكيفية تقويمهم للتلاميذ، وطرق التعليم المستخدمة وتقبل التلاميذ للمادة من عدمه، كل ذلك سيؤدي إلى توسيع أفق العاملين في القطاع التربوي، ويحقق فوائد لا يمكن تحقيقها من خلال الدورات التربوية والتعليمية التقليدية التي تهدف إلى الرقي بمستوى المعلمين.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل القضية هنا هي مجرد جعل الدرس أكثر تشويقًا للتلاميذ، وأسهل على المعلمين؟ وهل أنفقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ثمانية بلايين دولار أمريكي في الفترة من ( 1995 : 2000م ) على التعليم الإلكتروني لمجرد الترفيه عن التلاميذ الأمريكيين وجعلهم يستمتعون بالحصص المدرسية؟ طبعًا لا، فالسياسيون الأمريكيون لا يعنيهم بالدرجة الأولى امتلاك كل تلميذ لخط إنترنت، بقدر إدراكهم لأهمية المشاركة في عالم الغد، أي العالم الكوني منذ البداية، وهذا العالم الكوني هو العالم الرقمي، الذي يفرض على من لا يتصل بشبكات المعلومات العزلة والبقاء في المنفى.

هناك إجماع بين العلماء والسياسيين في جميع أنحاء العالم على أن فجوة الغد لن تكون بين الأغنياء والفقراء، بل بين الفاعلين في مجال العالم الإلكتروني، وبين المتلقين لهذا الفعل، بين أناس يقررون الخيارات المناسبة لمصالحهم، وآخرين يلتزمون بما يمليه عليهم هؤلاء، وليس أمامهم من بديل سوى الاستسلام. وإذا ما قارنا كل تلك المتغيرات مع الصورة التقليدية للطالب القابع في صفه، يقرأ من كتاب مدرسي يحوي مادة علمية عمرها عدة سنوات، ومعلم يشرح له الدرس بأمثلة من تجاربه الشخصية عمرها عشرات السنين، فإننا نشعر أننا ننظر داخل متحف تعلو آثاره طبقات من الأتربة.

يعرب الرافضون للتعليم الإلكتروني عن خشيتهم من أن يصبح المعلم قادرًا على تدريس ( 50 أو 500 طالب ) في الوقت نفسه، وبذلك تختفي المدارس بشكلها الحالي. ويتناسى هؤلاء أن التدريس عبر الإنترنت أكثر تكلفة وتعقيدًا من التعليم التقليدي. فبغض النظر عن التجهيزات التقنية اللازمة، وما تتطلبه من مبالغ باهظة، فإن تأهيل المعلمين للقيام بهذه المهمات المتعددة والمعقدة يقتضي دراسة أكثر شمولاً، وبالتالي أطول زمنًا، وأكثر تكلفة.

التعليم الإلكتروني لن يجعل من عمليتي التعلم أو التدريس أسهل من ذي قبل، بل على العكس يقتضي تطبيقه المزيد من الجهد لجميع الأطراف قبل خوض مغامرة استخدام الإنترنت في العملية التربوية والتعليمية، ولكن نظرًا لأن الظروف المعيشية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، فإن الإنترنت يعكس صورة هذا العالم الجديد، وما من شك في أن دفن الرأس في الرمال لا يوفر الحصانة اللازمة تجاه عجلة التقدم التقني، بحيث لا نتأثر بها وتبقى بعيدة عن عالمنا لهذا فإن التعليم الإلكتروني هو تحدٍّ للتربويين وللمجتمع بأسره، يجب القبول به وتعلم كيفية التعامل معه، قبل أن يجد المرء نفسه يكتب على جلد الماعز، والعالم من حوله يكتب بأقلام ضوئية ( light pen ).

إن التعليم الإلكتروني يؤتي ثماره على المدى البعيد، حين ينتهي التلاميذ من دراستهم الجامعية، ويقتحمون سوق العمل، عندها ستظهر الآثار الإيجابية لهذا التعليم، لكنه على المدى القصير والمتوسط، يعني تكاليف لا حصر لها.