التعليم العام في الوطن العربي

تشهد معظم الدول العربية طفرة غير مسبوقة على صعيد إنشاء جامعات خاصة غالباً ما تكون فروعاً لجامعات أجنبية. ولا شيء يوحي اليوم بأن هذه الطفرة المستمرة منذ سنوات عشر تقريباً قد بلغت الذروة، الأمر الذي يرسم أكثر من علامة استفهام، لا حول دورها بإيجابياته وسلبياته فقط، بل أيضاً حول مستقبل التعليم العالي ككل في البلاد العربية بأسرها.
القافلة تتناول هذه القضية من خلال خمسة إسهامات مختلفة.
المساهمة الأولى يقدمها إلياس سحاب الذي يسلِّط الضوء على السمات الرئيسة للجامعات الخاصة، من خلال تلخيصه فصلاً خاصاً بهذا الشأن من دراسة بالغة الأهمية في هذا المجال.
ولأن هذه الطفرة وصلت بزخم إلى عدد من الدول الخليجية، لتشكِّل نقاط جذب جديدة للطلبة فيها، بمن فيهم الطلبة السعوديون، يحدثنا إبراهيم الشاخوري في مساهمته عن تجربة مملكة البحرين مع الجامعات الخاصة، وحسَّان الزين عن تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبعد أن تتناول أمينة خيري من القاهرة دور الجامعات الأجنبية في مصر العريقة بجامعاتها الإسلامية والوطنية، تحاول دارين صالح من بيروت تلخيص هذه القضية في حوار شامل مع وكيل الشؤون الأكاديمية في الجامعة الأمريكية ببيروت 
الدكتور وضَّاح نصر.

الجامعات الخاصة في مواجهة الحكومية
ظهرت لحل مشكلة فتسببت بإشكاليات أكبر
مع التطورات التي طرأت على بنية التعليم في الوطن العربي في العقدين الأخيرين، تأثراً بالتحولات العالمية الجارفة، لم يعد يجدي الاكتفاء بأرقام المنتسبين إلى المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم العالي، لرسم صورة دقيقة عن أحوال التعليم في الوطن العربي، بل أصبحنا بحاجة إلى التعمق في دراسة التغيير الذي فرضته التحولات في أنماط التنمية وثقافة السوق على أعماق البنية التعليمية في بلادنا، خاصة على مستوى التعليم الجامعي، لتحديد بوصلة دقيقة نقيس بها بدقة نسبة الإيجابيات والسلبيات في هذا التغيير، قبل أن يستفحل أمر السلبيات إلى درجة غير قابلة للإصلاح.

لقد أصدر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، في العام 2005م، كتاباً وافياً عن هذا الموضوع، للدكتورة محيا زيتون، بعنوان التعليم في الوطن العربي / في ظل العولمة وثقافة السوق ، ورأينا من المفيد أن نعرض تلخيصاً للفصل التاسع والأخير من هذا الكتاب، الذي يعالج ظاهرة تكاثر الجامعات الخاصة ومؤسسات التعليم العالي الخاصة في جميع البلدان العربية.

نموها يتحول إلى طفرة
يبدأ الحديث عن هذه الظاهرة بتحديد الحاجة التي أوجدتها. فمع أن التعليم الجامعي الحكومي، يعود في بعض البلاد العربية إلى مطلع القرن العشرين، فإن بنية هذه الجامعات الحكومية كانت تؤسس في الغالب على نسق أنماط التعليم الجامعي الكلاسيكي في أوروبا، مع قدرة أقل على التكيف مع التحولات التي بدأت تعصف بالقرن العشرين منذ منتصفه. لذلك، وعندما اكتسحت موجة اقتصاد السوق وظاهرة العولمة سائر أنحاء العالم مع اقتراب القرن العشرين من نهايته، كانت الجامعات الحكومية العربية عاجزة عن إجراء التحولات المطلوبة، بالسرعة المطلوبة، للتكيف مع اقتصاد السوق. ولما بدأت الاستثمارات الخاصة تتدخل لسد هذه الثغرة، كان طبيعياً أن تركز على الجامعات الخاصة، هرباً من البنية البيروقراطية المسيطرة على الجامعات الحكومية.

إن جردة إحصائية بنمو خريطة التعليم الجامعي الخاص في الوطن العربي في القرن العشرين، تؤكد لنا أن الطفرة الكبرى لهذه الظاهرة، التي بدأت منذ عقود طويلة، لم تنفجر إلا في العقد الأخير من القرن العشرين. ففي النصف الأول من القرن المنصرم (أي قبل 1950م)، لم يكن عدد الجامعات الخاصة في جميع أرجاء الوطن العربي يتجاوز الأربع. وارتفع في العام 1973م إلى 8 جامعات خاصة، ثم إلى 26 في العام 1996م. لكن ما إن حل العام 2003م، حتى أصبح عدد الجامعات الخاصة في الوطن العربي 77 جامعة.

ولعل لبنان، كان البلد العربي الوحيد الذي شهد تطوراً في أعداد الجامعات الخاصة فيما قبل عقد التسعينيات. لكن التحولات العالمية التي أشرنا إليها في مطلع المقال، ما لبثت أن دفعت عدداً كبيراً من الدول العربية في الاتجاه نفسه، مثل: مصر، الأردن، تونس، اليمن، الإمارات، الكويت، سلطنة عمان، سورية، الصومال، وانضمت إليها مؤخراً بقية الدول العربية مثل السعودية والجزائر والبحرين وقطر وموريتانيا وجيبوتي.

وعند إجراء هذا الإحصاء قبل عامين، كان عدد الجامعات الحكومية في الوطن العربي قد ارتفع إلى 156 جامعة، بينما بقيت الجامعات الخاصة عند نصف هذا العدد.

أعداد لا تعكس الصورة كاملة
ومع ذلك فإن هذه النسبة العددية لا تعكس أبداً صورة دقيقة عن كل من نمطية التعليم الجامعي: الحكومي والخاص. فمع أن عدد الجامعات الخاصة قد وصل بسرعة إلى نصف عدد الجامعات الحكومية، إلا أن معظم الجامعات الخاصة هي جامعات صغيرة الحجم (وبعضها صغير جداً).

ففي لبنان مثلاً، تستوعب الجامعة الحكومية الوحيدة (الجامعة اللبنانية) %60 من مجموع الطلاب الجامعيين اللبنانيين، بينما تستوعب الجامعات الخاصة الخمس الكبرى 25% من الطلاب، أما الجامعات الخاصة الأخرى (27 جامعة) فلا تستوعب أكثر من %15 من الطلاب.

أما في مصر، فالثغرة أشد اتساعاً، إذ إن جامعة القاهرة وحدها، من بين الجامعات الحكومية، كانت تضم في العام 2002م سبعة أضعاف عدد طلاب الجامعات الخاصة، بل إن عدد طلاب كلية واحدة في جامعة القاهرة تجاوز في ذلك العام عدد الطلاب في كل الجامعات الخاصة في مصر.

فتِّش عن الاستثمار
إن مواجهة التحولات المتسارعة في أنماط التنمية وثقافة السوق، تمت في بلادنا بالاتجاه المتسرع نحو التعليم الجامعي الخاص، أما في الغرب فما زال هذا الاتجاه يمارس بكثير من التحفظ والحذر. لأن الجامعات الخاصة، التي يمولها المستثمرون عادة، يحركها حافز الربح السريع، وليس حافز التطور العلمي والأكاديمي. حتى أن الجامعات ذات المستوى الأكاديمي المحترم في الولايات المتحدة ما زالت محصورة في الجامعات الحكومية، أو الجامعات الخاصة الممولة من جمعيات أهلية لا تتوخى الربح، وليس من شركات استثمارية. أما في الوطن العربي فنرى أن عنصر الاستثمار المالي، هو الذي يقف وراء معظم، بل جميع الجامعات الخاصة الجديدة، حتى أن بعض رخص هذه الجامعات مُنِح لشركات تجارية، ليس لها من أغراض معلنة سوى السعي إلى استثمار أقل وأرباح أكثر.

ضياع المقاييس بين
معاهد التعليم العالي والجامعات
ويزيد من تدني المستوى الأكاديمي للتعليم العالي الخاص المتكاثر في جميع أرجاء الوطن العربي، ذلك الخلط بين معاهد التعليم العالي والجامعات، حيث لا نجد رقابة صارمة على السهولة التي يتم بها تحويل عدد من المعاهد ذات المواصفات غير الجامعية بالمعايير الأكاديمية، إلى جامعات، من غير أي استحقاق مبرر يرفع المستوى الأكاديمي لتلك المعاهد. وبما أن هذه المعاهد تغري الطلاب بأقساط مخفضة، مقارنة بأقساط الجامعات، وتتساهل كثيراً في معدل درجات الشهادة الثانوية التي تتيح للطالب دخول الجامعة أو المعهد، فإن أعداداً وفيرة من الطلبة أصبحت تتحول إلى هذه المعاهد، مع اتجاه واضح لمزيد من التدهور في المستوى الأكاديمي لآلاف الطلاب المتخرجين فيها.

بل إن الظاهرة السائدة في هذا المجال، أن كثيراً من الجامعات الخاصة تبدأ عملها من دون ترخيص رسمي، وكذلك تفعل بعض معاهد التعليم العالي، التي يقرر بعضها التحول إلى جامعة بلا ترخيص أيضاً. لكن عدداً وافراً من جامعات الأمر الواقع هذه، ما تلبث أن تمنح الترخيص، بحكم الاستمرار، أو بفعل الأمر الواقع، أو بأساليب أخرى.

ولو تجاوزنا كل هذه السلبيات، وحاولنا التركيز على الحصيلة العلمية لهذه الظاهرة، فإننا نجد أن المبرر الأساس المعلن للتوجه نحو إنشاء الجامعات الخاصة، هو أنها قادرة (كما أسلفنا) على تجاوز بيروقراطية التعليم الجامعي الحكومي، والتطور باتجاه تخصصات جديدة، غير موجودة في مناهج الجامعات الحكومية.

ولكن الذي يتم عملياً هو أن الجامعات الخاصة تختار تخصصات فروعها، وفقاً لمعايير الربح والخسارة، فلا تنشئ كليات لدراسة التخصصات الناقصة في الجامعات الحكومية، بل تلك الأقل كلفة استثمارية، والأعلى ربحية. وهذه كلها، تخصصات موجودة عادة في كليات الجامعات الحكومية، كالعلوم الإنسانية.

كذلك، فإننا نرى الجامعات الخاصة، لا تحقِّق في المدى الطويل تقدماً في تطور مستوى الأساتذة الجامعيين، لأنها لا تنفق على إرسال بعثات إلى الخارج، لرفع مستوى طاقم التدريس. بل تعمد، عكس ذلك، إلى خطف الممتازين من أساتذة الجامعات الحكومية، بإغراءات مادية، فتضرب المستوى العام للأساتذة الجامعيين بدلاً من تحسينه.

الجامعات الخاصة في البحرين
قطارٌ يجر مقطورات الأسئلة.. وركابٌ بلا تذاكر!
لأن العشب يبدو دائماً أخضر في جانبه الآخر ، بدت كل مؤسسات التعليم العالي الأجنبية خضراء مزدهرة بورود المعرفة، وابتدأت معها حركات استيراد لفروع تلك الجامعات، ما شكَّل فيما بعد ظاهرة عرفت بـالجامعات الخاصة. وبدأ فصل جديد للنقاش حول ما إذا كان التعليم العالي حقاً اجتماعياً أم سلعة ثقافية استهلاكية؟

يقول جون واتربوري، رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت، في مقالة نشرتها جريدة النهار في 8 فبراير 2003م: هناك احترام رفيع في الشرق الأوسط لمؤسسات التعليم العالي الأمريكي التي زُرع عدد منها بنجاح في المنطقة. هذه المؤسسات الأمريكية أنتجت زعماء شرق أوسطيين يستطيع الأمريكيون معهم تحديد المسائل بلغة وعبارات يفهمونها ويحترمونها سواء بسواء . ويضيف هذه الحماسة للمدارس الأمريكية تقف بصلابة أمام الإحباط الذي يحوم حول أنظمة التعليم المحلية البديلة. في الشرق الأوسط اليوم، تشهد مؤسسات التعليم العالي اكتظاظاً وانعدام إنتاجية. إنها مغرقة بالنمو السريع لعدد تلامذة المدارس ومقوضة بالنمو الاقتصادي البطيء .

هكذا بدا المشهد عشية دخول الجامعات الأمريكية والغربية للمنطقة، وهو ما شكَّل أرضية خصبة لتزايد عدد الجامعات اطرادياً. وبتعبير آخر للأستاذة الجامعية البحرينية منيرة فخرو فقد تأسس في السنوات الخمس الماضية عدد من الجامعات والمعاهد الخاصة في ظاهرة غير مسبوقة ليس في البحرين وحدها، ولكن في منطقة الخليج كافة، وقد بلغ عددها 25 جامعة ومعهداً. كما وصل عدد الطلبة في قطاع التعليم العالي الخاص إلى حوالي 4500 طالب .

ولكن ظهور هذا الكم من الجامعات طرح مشكلة جودة التعليم والأسعار الباهظة. فالبعض يرى أن بعض الفروع التي افتتحت في الخليج قدَّمت التعليم العالي كسلعة استهلاكية غالية الثمن شأنها شأن العديد من المنتجات الغربية الراقية. ولكن حين يتعلق الأمر بجودة هذا المنتج، فإنه كغيره ساحة يختلط فيها الحابل بالنابل، حتى أن الدكتور عبدالله الحواج، رئيس الجامعة الأهلية وهي أول جامعة خاصة افتتحت في البحرين ولها اتفاقية مع جامعة برونيل البريطانية، يشير إلى وجود جامعات تجارية تبيع الشهادة لمن يدفع لأجل ذلك . وهي ظاهرة استدعت البحث وأثارت جدلاً واسعاً لدى الشارع البحريني.

بين الجودة والربحية
وكانت جمعية الجامعيين البحرينية قدَّمت في العام المنصرم حلقة حوارية بعنوان الجامعات الخاصة.. بين الجودة والربحية تحدث فيها كل من رئيس الشؤون الثقافية والملحقيات بوزارة التربية والتعليم البحرينية د. عبدالمجيد مفيز ورئيس الجامعة الأهلية د. عبدالله الحواج. وقد أشار الدكتور عبدالمجيد إلى أن من أهم المعايير المعتمدة من قبل الوزارة لمنح التراخيص للجامعات الخاصة ارتباطها أكاديمياً بجامعات خارجية عريقة و أن الرقابة المتبعة على هذه الجامعات تتمثل في مراقبة جودة هيئات التدريس، والبرامج والساعات المعتمدة بالإضافة إلى شروط قبول الطلبة . في حين انتقد الدكتور عبدالله الحواج عدم وضوح الآليات والنظم والقوانين التي تعمل في ظلها مؤسسات التعليم العالي في البحرين وقال معترفاً نعم، لدينا مصيبة في مجال التعليم العالي، لأن الشروط والمعايير غائبة كما أن القانون صدر متأخراً، ما أدى إلى استغلال الوضع من قبل بعض الناس ممن لا يؤمنون بأن التعليم الخاص مشروع وطني قبل أن يكون ربحياً مشيراً إلى أنه و إن كان هذا التعليم ذاتي التمويل ولكن من الضرورة ألا يكون الربح هاجسه الأول .

إذاً هي لعبة شد الحبل بين الجودة والربحية والتي على طالب الجامعات الأجنبية أن يكتب إجابتها في تحصيله العلمي وفي مستقبله المهني.

يبقى القول، إن المستقبل بات يرسم حاجة ملحة إلى تدخل أكثر جدية من المؤسسات المعنية كالأمانات العامة للتعليم العالي وغيرها، يحدد المحطة الأخيرة لقطار الجامعات في وطننا العربي، الذي يجر وراءه قاطرات من الأسئلة الصعبة، وركاباً لا يهتم بعضهم بمعرفة تفاصيل الرحلة. وبينما لا يملك البعض الآخر تذاكر تؤهله لركوب القطار، فإن ركاباً آخرين يسعون إلى الحصول على تذكرة من دون السؤال عن أي تفاصيل أخرى.

الإمارات..
جامعة الغرب لطلاب المنطقة
شكَّل إعلانُ إنشاء موقع لجامعة السوربون الفرنسية العريقة في أبوظبي مفاجأة، وسلَّط الضوء على التعليم العالي في الإمارات العربية، الخاص منه تحديداً، علماً بأن المؤسسة الباريسية التربوية هذه ليست الأولى التي تقصد الإمارات وتستثمر فيها. فنسبة التعليم في الإمارات مرتفعة نسبياً. وقد قُيد في مؤسسات التعليم العالي الخاص 37358 طالباً وطالبة، في العام 2005م. نحو ثلثهم (12959) من المواطنين الإماراتيين، وما يعادلهم تقريباً (10132) من دول الخليج. أما الطلاب الباقون (9582) فمن الدول الأخرى، عرباً وأجانب.

تستند هذه الإحصاءات إلى الملفات الرسمية لمؤسسات التعليم العالي التي تراقبها الوزارة، بينما لا يتوقف الحديث، لاسيما في المناسبات التربوية والاجتماعية، عن الأعداد الهائلة من الإماراتيين والإماراتيات خريجي وخريجات المدارس الثانوية الذين ينتظرون أن يُفتح أمامهم باب الفرج وينتسبوا إلى هذه الجامعة أو تلك.

سياحة تعليمية، من يقدر عليها؟
تضم الإمارات وافدين من جنسيات مختلفة، ومع الوقت، منذ بدايات الطفرة النفطية، في سبعينيات القرن الماضي، تغيرت الأدوار والحياة عموماً. فالدولة تسعى اليوم إلى استقطاب فئات إضافية (غير اليد العاملة) من الخارج للوفود إليها والإقامة فيها، كالطلاب مثلاً، وتعمل لتشكِّل مكاناً وسطياً بين العالم المتقدم والمنطقة. وهذا ما يسميه الدكتور علي قاسم الشعيبي (اختصاصي في علم الاجتماع) السياحة التعليمية . ونظريتها تحويل الإمارات إلى حاضنة حقيقية للجامعات العريقة عالمياً.

ولكن ارتفاع كلفة المعيشة يغدو عبئاً معيقاً للاستراتيجية الجديدة التي تهدف، من ضمن ما تهدف، إلى تحويل الإمارات إلى جامعة العرب، كما هي بيروت مصرف العرب أو مستشفاهم.

فهناك أُسر محدودة الدخل تقيم في الإمارات وافدةً من دول المنطقة تعجز عن تغطية نفقات انتساب ابن أو أكثر إلى إحدى مؤسسات التعليم العالي في الدولة، وقد بات عددها أربعين بعد الترخيص لثمانٍ في العام 2006م وحده. فالجامعات هي نفسها من يحدد الرسوم، والأمر خاضع للعرض والطلب ، بحسب مدير إدارة البرامج التعليمية ومعادلة الشهادات في وزارة التعليم العالي، سيف راشد المزروعي. وإذ لا ينفي المزروعي أن تلك المؤسسات ربحية يجزم أن الربحية لا تطغى عليها. فهي تضع في خططها أنها في السنوات الأولى من عملها لن تكسب. وهناك مؤسسات تعمل منذ ثماني سنوات ولم تغطِ تكاليفها .

المسوغ نفسه تكرره دانية بزي، مديرة العلاقات الخارجية في الجامعة الأمريكية في دبي، التي تؤكد أن التكلفة والخدمة هما المعياران الرئيسان في عملية تحديد الرسوم . ولا تخفي بزي أن كون الجامعة أمريكية ومعترفاً بها من الولايات الأمريكية الجنوبية ودولة الإمارات، يشكِّل امتيازاً. وتستدرك: هذا إذا كنا أغلى من غيرنا. فالأمر ليس مؤكداً .

إذاً، الرسوم ليست أمراً عابراً بسيطاً، بالنسبة إلى استراتيجية الإمارات وإلى المؤسسات والطالب وأسرته أيضاً. إنها معطى سوقي، في بلد تسهِّل فيه المصارفُ الحصولَ على قروض، وتتعامل فيه مؤسسات التعليم عبر ماستر كارد و فيزا كارد .

جسر بين الحضارات: السوربون مثالاً
إن ما تقدم يفسِّر اختلاف الرسوم بين مؤسسة وأخرى، حتى في الاختصاص الواحد. فبينما تبلغ كلفة السنة الدراسية (وأجور السكن) في كلية الإعلام بأمريكية دبي 30 ألف درهم (نحو 8 آلاف دولار أمريكي)، تشير الدراسات التمهيدية التي سبقت إنشاء جامعة السوربون في أبوظبي إلى أن كلفة الطالب في الأقسام الاعتيادية (الأدب الفرنسي، لغات وحضارات وآداب أجنبية، تاريخ الفن وعلم الآثار، الفلسفة وعلم الاجتماع، إلخ…) هي 60 ألف درهم (نحو 16 ألف دولار). لكنها لم تعتمد هذا الرقم كرسم على الطالب تسديده، وإنما تعتمد على مساعدات الدولة لتسديد العجز الناتج من كون الرسوم أدنى من الكلفة ، بحسب المدير العام لموقعها في أبوظبي، دانيال أوليفييه.

ولعل اللبيب من الإشارة يفهم. فالسوربون أبوظبي المملوكة بالكامل لمجلس أبوظبي للتعليم والتي ترفع شعار جسرٌ بين الحضارات تقدِّم الأبعاد الثقافية والتعليمية والإنسانية على البعد المادي الربحي. يتضح ذلك أكثر إذا عُرِفَ أن هذا الصرح الذي رُصد له 367 مليون درهم ويُتوقع أن يستقبل 1500 طالب، بلغ عدد الطلاب المنتسبين إليه في عامه الافتتاحي 169 طالباً من بينهم 66 إماراتياً. وهناك من أُعفي من الرسوم، نظراً لظروفه الاجتماعية، بشكل جزئي أو كلي، ودائماً مع شرط تحصيل درجات عالية.

وإذا كانت السوربون، باختصاصاتها الأدبية والفنية والإنسانية، إضافة نوعية ، بحسب تعبير ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، نظراً إلى تاريخها وعراقتها، ما يجعل الطلاب ينتسبون إليها بدافع سمعتها العالية وبهدف تلقي تدريس رفيع المستوى ونيل شهادة محترمة ، كما يفصح طلابها، فإن المؤسسات الأخرى، الأقل شهرة، مضطرة إلى تلبية حاجات السوق في الاختصاصات التي توفرها. فالسوق تميل إلى الهندسة على أنواعها، وإلى الإعلام والاتصال وتقنيات المعلومات والتسويق وإدارة الأعمال.. واللغة الإنجليزية. وإن دلَّ ذلك فإنما يدل على أن المزاج الذي يحكم هذه السوق هو العمل . فالوافدون الذين يشكِّلون نحو ثلث سوق التعليم العالي تراهم بكثافة في اختصاصات لها حاضر ومستقبل ، كما يعبِّرون.

الخريجات = الخريجون × 2
يعتقد كثيرون بألاَّ حياة جامعية في مؤسسات التعليم العالي بالإمارات، كون الطلاب من هنا وهناك (طلاب أمريكية دبي الـ 2650 من ثمانين جنسية، أما طلاب السوربون الـ 169 فمن 28 جنسية، وهكذا). هذا ما لا ينفيه الطلاب أنفسهم. فهؤلاء أبناء بيئاتهم الوطنية والأسرية في الدرجة الأولى، والجامعة في الإمارات بالنسبة إليهم وإلى أهلهم امتداد للمدرسة وتحصيل العلم. لذا، يفضِّل الكثيرُ من الشباب (الذكور) السفر لمتابعة الدراسة في بلد أوروبي أو أمريكي، وهذا ما يؤثر في نسبة الذكور المنتسبين إلى الجامعات. ففي العام الدراسي 2002/2003م بلغ عدد الخريجات (7826) ضعفي الخريجين (3099)، بحسب مشروع تعداد ووزارة الاقتصاد.

الحياة الجامعية تعتمد على الخارج
يسهم ذلك في صوغ الحياة الجامعية التي نادراً ما تجد مكاناً . فالمؤسسات التعليمية الخاصة لا تملك كلها مباني جامعية متعددة المرافق وكاملة المواصفات، وغالبيتها تشغل أبنية سكنية أو تجارية بلا مساحات مشتركة وما إلى ذلك.

عليه، تتقلص المساحة الاجتماعية، حتى في جامعة مثل أمريكية دبي، حيث يبلغ عدد الطلاب 2650 (منهم 700 جديد وتخرج فيها العام الفائت 350)، النشاطات الطلابية فيها محدودة، على الرغم من وجود أكثر من نادٍ فيها (النادي الخليجي، الإسلامي، والطلاب الأمريكيون). وإذا كانت حفلة السيدة فيروز في مسرح الجامعة قد جمعت ألف مستمع، فإن معظمهم من خارج الجامعة، كما أنها من تنظيم جمعية إنسانية من خارج الجامعة أيضاً. أما أن تشهد إحدى الندوات داخل الجامعة وفي حضور إدارتها ومعظم طلابها حواراً سياسياً متعدد اللون، فالسبب يعود إلى كون ضيفها هو الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي زارها بين عامي 2002 و2006م أربع مرات. فالمحاضر جذاب، وغالبية الحضور من العرب.

في مصر: مهام تعليمية ومقاربات ثقافية
واقتصاديات سوق عالمية
حتى الأمس القريب كان التعليم العالي في مصر يعني حفنة من الجامعات الرسمية بالإضافة إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة وهي الجامعة الأجنبية الوحيدة على أرض مصر، وإن كانت من أقدم الجامعات المقامة على الأرض المصرية، وتحديداً منذ العام 1908م حين تم افتتاحها كأول جامعة أهلية واسمها الجامعة المصرية .

لا جامعات أجنبية في مصر!؟
ويتخوف البعض من وجود مثل هذه الجامعات التي تحمل أسماء دول أغلبها أوروبي، فهناك شكوك في أن تحدث هذه الجامعات فجوة ثقافية بين طلابها وطلاب الجامعات الرسمية والذين ما زالوا يشكِّلون الأغلبية العددية. يقول السيد فاروق محمد عبدالرحمن وكيل وزارة التعليم العالي ورئيس الإدارة المركزية للجامعات الخاصة إنه لا توجد في مصر جامعات أجنبية –باستثناء الجامعة الأمريكية- وإن الجامعات التي تحمل أسماء دول أوروبية جاءت نتيجة اتفاقات تعاون بين دول أو هيئات تعليمية وجامعات أجنبية وبين جامعات مصرية، وحسبما تكون الدولة الموقعة للاتفاق تكون التسمية. ويشير عبدالرحمن إلى أن هذه الجامعات تعرض لوائحها على المجلس الأعلى للجامعات مؤكداً على وجود لجانٍ علمية متخصصة من أساتذة مصريين تقر المناهج التي تدرَّس فيها لتتوافق والقوانين المصرية.

ويبدو أن المجلس الأعلى للجامعات المصرية يتعامل مع هذه الجامعات من منطلق اعتبار الجامعة الخاصة متهماً إلى أن يثبت عكس ذلك. فالمجلس يتدخل في تحديد أعداد الطلاب المقبولين في كليات هذه الجامعات كل عام والحد الأدنى للقبول، كما يقوم مسؤولو المجلس بجولات تفقدية تفتيشية للتأكد من جودة المباني والقاعات والمقومات البشرية من أعضاء هيئة تدريس وموظفين وغيرهم.

الجامعات أجنبية أما
المدرسون فمصريون
لكن ماذا عن أعضاء هيئة التدريس من الأجانب؟ نظرة سريعة إلى السير الذاتية لعدد من أساتذة تلك الجامعات في مصر مثل البريطانية في مصر و الفرنسية و الألمانية و الكندية تشير إلى أن الغالبية العظمى من أعضاء هيئات التدريس فيها هم من المصريين، بل إن بعضهم آتٍ من كليات الجامعات الرسمية إما للعمل الإضافي أو بعد تقديم استقالته من عمله الحكومي . والغريب أن عدداً من تلك الجامعات يتباهى بأن نسبة أعضاء هيئة التدريس من الأجانب لديه مرتفعة، لكن كثيرين في واقع الأمر يعتبرون الأساتذة المصريين من حاملي الجنسيات الأجنبية أجانب وليسوا مصريين. حتى الأساتذة الأجانب من المواطنين الأصليين للدولة التي تحمل الجامعة الأجنبية اسمها، فإن نسبة كبيرة منهم ينتمون إلى جامعات مغمورة أو لم يسمع عنها أحد.

بين الإفادة والهيمنة الثقافية
يؤكد المهندس مجدي القاضي، رئيس الكلية الكندية، أن التعليم الكندي مختلف كل الاختلاف عن نظم التعليم الأخرى، إذ يهدف إلى بناء شخصية الطالب وتقديم المناهج ذات الصلة المباشرة بسوق العمل. وهو ينفي تماماً أية شبهة لمخاوف السيطرة الثقافية ويقول: على كل إنسان أن يستفيد من الثقافات الأخرى ويفيد الآخرين، ولكل ثقافة إيجابياتها وسلبياتها، فنأخذ ما يناسبنا ونترك جانباً ما لا يصلح. ويبرهن على كلامه بما حدث في حرم الكلية الكندية إذ صمم مبانيها مهندس كندي وجعل صالة الرياضة (جيمنازيوم) مشتركة للجنسين، وهو ما رفضته إدارة الكلية وحددت أياماً للشباب وأخرى للشابات وذلك من دون تدخل كندي.

إلا أن أستاذ إدارة الأعمال في الكلية نفسها الدكتور أحمد عبدالعظيم لا ينفي مسألة السيطرة والهيمنة الثقافية ويقول: الطالب الذي يتلقى تعليمه في جامعة أجنبية ثم يتخرج ويتقلد مناصب مهمة في بلده سيحمل حتماً في داخله قيماً ومبادئ تعلمها في الجامعة الأجنبية التي درس فيها ويحاول تطبيقها .

لأبناء الميسورين فقط
ورغم القانون 101 لسنة 1992م الخاص بتنظيم الجامعات الخاصة في مصر، الذي ينص على عدم استهدافها الربح، ورغم تأكيد الغالبية العظمى من مسؤولي تلك الجامعات على أنها لا تهدف إلى الربح، وأن هدفها الرئيس هو بناء طالب بعقلية وإمكانات تواكب الألفية الثالثة ، أو تمكين العقلية الليبرالية من الأخذ بزمام الأمور ، أو حتى مجرد تخريج طلاب مناسبين لاحتياجات سوق العمل ، إلا أن مصروفات تلك الجامعات لا تتيح إلا لأبناء الطبقة بالغة الثراء الالتحاق بها.

وهنا يقول وكيل وزارة التعليم العالي ورئيس الإدارة المركزية للجامعات الخاصة: إن الوزارة لا تتدخل من قريب أو بعيد في مسألة المصروفات، فهي خدمة تقدمها الجامعة للطالب وله أن يقبلها أو يرفضها، وإن كانت الوزارة تناشد دائماً هذه الجامعات عدم المغالاة في المصروفات .

جامعات عربية في الغرب؟
وماذا عن إمكانية إنشاء جامعة مصرية أو عربية في إحدى الدول الأوروبية أو تلك المهتمة بتأسيس جامعات تحمل اسمها في المنطقة؟ وزير التعليم العالي الدكتور هاني هلال يرى وجود جامعة مصرية في دولة غربية أمراً وارداً، إذا كانت الدولة الأجنبية ترغب في ذلك وترى أنها تفتقد مجالاً أو مجالات معينة في إمكان الجامعة المصرية أو العربية القيام بها.

ويشير هلال إلى وجود فروع عدة لجامعات مصرية في دول عربية وهذا في حد ذاته أمر جيد . وهو رأي مشابه للدكتور علي عبدالرحمن رئيس جامعة القاهرة الذي يرى الفكرة ممكنةً، لا سيما في التخصصات الأدبية والنظرية والعلوم الإسلامية والإنسانية ويقول: هذه نقاط قوتنا العلمية وفي إمكاننا استثمارها من خلال جامعة مصرية أو عربية في الخارج، لا سيما أنهم يفتقدون مثل هذه التخصصات. أما التخصصات العلمية فذلك ليس وارداً لأن الغرب متفوق علينا فيها .

وعلى النقيض من ذلك، يرى الدكتور أحمد عبدالعظيم أستاذ الكلية الكندية أن الأمر غير وارد. ويقول: هذا يكلف مبالغ طائلة، ولا بد أن تكون هناك حاجة حقيقية لمثل هذه الجامعة. كما أن حكومات تلك الدول قد تقبل وقد لا تقبل ذلك .

تجربة الجامعة الأمريكية
في بيروت تتحدث
استكمالاً لجوانب هذه القضية، وسعياً إلى رسم صورة بانورامية جامعة لأبرز فصولها، التقت القافلة بالدكتور وضاح نصر، أستاذ الفلسفة ووكيل الشؤون الأكاديمية المشارك في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان لنا معه الحوار الآتي:

• ما الدور الذي تلعبه وتحتله
الجامعات الأجنبية في بلداننا العربية؟
• د. نصر: يختلف وضع الجامعات الأجنبية المنتشرة في دولنا العربية من بلد إلى آخر ولعدة أسباب، أهمها تمتع بعض الجامعات الوطنية العربية بمنزلة علمية عالية لا تقل مستوى عن الجامعات الأجنبية الوافدة إلينا من دول مختلفة. لذلك ولتفادي إشكالية سيطرة مؤسسة تعليم عالٍ أجنبية على أخرى وطنية أو عربية، لا بد من توافر الاحترام والتعاون والتكامل والتنافس البنَّاء بينهما للحفاظ على مصلحة التعليم العالي في بلداننا.

وتطبيق مثل هذا المشروع مرتبط بالوضع التعليمي والسياسي والاجتماعي والتربوي السائد في البلدان العربية المختلفة السياسات، وبالالتزام بأداء سلطتها السياسية ومقدراتها المالية المخصصة لتقوية التعليم العالي فيها، ومدى انفتاحها على مختلف التيارات والاتجاهات العالمية.

• ما أسباب الوفرة من الجامعات
الأجنبية في البلدان العربية التي نشهدها اليوم؟
• هناك سببان أساسيان لذلك. السبب الأول هو بدافع تجاري أو استثماري. إذ يرى بعض الرأسماليين أو المستثمرين من الكادر التعليمي أو من خارجه أن هناك طلباً متزايداً على اختصاصات معينة في التعليم العالي فيتوجهون للاستثمار في هذا المجال..

أما السبب الثاني، فهو وجود دول أو حكومات أو هيئات رسمية عربية، تقدِّر قيمة التعليم عموماً والتعليم العالي على وجه الخصوص، وتعتبر أن هناك مؤسسات تعليمية أجنبية باستطاعتها أن تقدِّم مواد علمية متطورة واختصاصات جديدة وفضلى لطلاب بلادها، تساعد في نمو اقتصادها. فتبحث عن مؤسسات تربوية أجنبية لجلبها إلى بلادها. وهذا السبب يشترط فيه توافر المال، نظراً للتكلفة العالية لبناء جامعات أجنبية لا تقل مستوى، من حيث البناء والتجهيزات الأولية والأساسية التعليمية والمختبرات وأدوات البحث العلمي العملية والنظرية عن الجامعة الأصل أو الأم الموجودة في بلد أجنبي، إضافة إلى توافر القناعة بضرورة تفعيل دور التعليم العالي فيها للوصول إلى مكانة أكاديمية رفيعة.

• ماذا عن تجربة الجامعة الأمريكية في
بيروت وإسهاماتها في إنشاء الجامعة الأمريكية
في الشارقة؟
• إن دورنا كـ جامعة أمريكية في بيروت كان دوراً استشارياً طبعاً، إذ ساعدنا في وضع القانون الأساس للجامعة والبرامج التعليمية والتوزيع الإداري وخطة العمل وطرق التنفيذ وغيرها من الشؤون الإدارية والأكاديمية. و الجامعة الأمريكية في الشارقة هي مستقلة تماماً عن الجامعة الأمريكية في بيروت وإنما يطبقان نفس منهاج التعليم الأمريكي.

• ماذا يعني افتتاح جامعة أجنبية في دولة عربية
في ظل اتساع الهوة الثقافية بين الشرق والغرب؟
• ليس من السهل نقل فلسفة وروحية التعليم العالي الأجنبي إلى بلد عربي بمجرد توافر التمويل والإرادة لتحقيق هدف تربوي معين. فخطورة استيراد التعليم العالي، تكمن في أنه سلعة مختلفة كلياً عن كل المواد والبضائع الأجنبية التي نستوردها، لأنه يتعلق بالإنسان، أي بوحدة من التقاليد والعادات والأفكار…، وهو يستهدف جيل الشباب الذين يشكِّلون نواة المجتمع والركيزة الأساس التي سيبنى عليها مستقبل البلاد، وبالتالي ليس من الضروري أن تنتقل الجامعة الأجنبية إلى بلادنا بكل روحيتها وتعاليمها وتقاليدها وخصوصيتها الاجتماعية وإنما يجب أن تلبس قالب وروحية البلد المضيف كي تتأقلم مع قيمه وتقاليده وعاداته..

وما ثبت في أمريكا أن نجاح مؤسسة التعليم العالي مرتبط باستقلاليتها وحريتها الأكاديمية، خصوصاً أن مبدأ منهاج التعليم العالي الأمريكي يقوم على تخريج إنسان مثقف يتمتع بالمعرفة العامة لمعظم العلوم وليس متخصصين من أطباء ومهندسين ومحاسبين وغيرهم.

• هل يمكن أن تكون هناك فجوة بين طلاب
الجامعات الوطنية والجامعات
الأجنبية المنتشرة في بلداننا العربية؟
• ليس بالضرورة أن تكون هذه الفجوة مبنية على سوية ونوعية التعليم فيهما، وإنما بسبب الفروقات الاقتصادية نتيجة ارتفاع بدل التعليم العالي في بعض الجامعات الأجنبية، مما يفرض وبشكل تلقائي اقتصار طلاب هذه الجامعات على ذوي مستوى اقتصادي واجتماعي معين. من هنا ضرورة دعم التعليم وتقديم المنح في الجامعات الأجنبية بناءً على مبدأ العلم للجميع.
• ما الفرق بين الجامعة الأجنبية في بلادها
والجامعة الأجنبية في بلادنا، وهل هذا الانتقال
يفقدها روحيتها؟
• مما لا شك فيه، أن انتقال الجامعة الأجنبية من بلدها إلى بلداننا العربية يفقدها الروحية أو الخصوصية التي تتمتع بها، وإنما تختلف درجة افتقاد الروحية من جامعة إلى أخرى لعدة اعتبارات أهمها، سيطرة العقلية التجارية والكسب المادي على بعض الجامعات، ومن هنا ضرورة مراقبة المستورد لمؤسسات التعليم العالي المستوردة والتنبه لمعايير الجودة التعليمية ومستويات التعليم التي تقدمها تلك المؤسسات تجنباً للغش أو الوقوع في فخ الهوة الثقافية.

• ما الفرق بين الطالب الذي يدرس في
الجامعة الأجنبية في دولة أجنبية وبين آخر يدرس
في جامعة أجنبية في دولة عربية ؟
• قد يكون من أبرز حسنات انتقال الطلاب العرب إلى جامعة أجنبية في دولة أجنبية بقصد التحصيل العلمي، هو أنهم يتعرفون على ثقافة جديدة ومختلفة عن ثقافة وطنهم مما يسمح لهم بتوسيع مداركهم الفكرية والثقافية عبر الاختلاط اجتماعياً وفكرياً بأناس من ثقافات مختلفة.

إنما ما يفتقده فعلياً العديد من الجامعات الأجنبية المنتشرة في كافة أنحاء العالم العربي، تلك النشاطات العلمية من أبحاث ودراسات وإحصاءات واختبارات ومؤتمرات وندوات وحلقات علم التي تقام باستمرار على هامش المنهاج الدراسي كجزء أساس منه. ومثل هذه الأمور يتعلمها الطالب تشرباً في الجامعة الأجنبية في البلد الأجنبي.

• هل هناك منافسة بين الجامعات
الأجنبية المنتشرة في العالم العربي؟
• إن المنافسة بين الجامعات الأجنبية المنتشرة في العالم العربي هي في ازدياد مستمر، خصوصاً مع ازدياد عددها بشكل ملحوظ، وإنما البقاء والاستمرارية لمؤسسات التعليم العالي الأفضل والتي تستطيع أن تثبت مكانتها وأهميتها من حيث نوعية التعليم التي تقدمه وبراعة وتمييز خريجيها في سوق العمل.

فمنذ سنوات، كانت الجامعة الأمريكية في بيروت الجامعة الأمريكية شبه الوحيدة في العالم العربي، ومقصد طلاب عرب وأجانب من جنسيات ودول مختلفة لتميزها ولتفردها بتطبيق منهج التعليم الأمريكي، وهو تخريج طالب مثقف ثلث منهاجه التعليمي معلومات عامة من خارج المنهاج التعليمي، قادر على احتلال المراكز المرموقة والتكيف مع المؤسسة التي ينتسب إليها والمجتمع الذي يحيط فيه.

• لِمَ هذا التوجه الأعمى نحو الجامعات الأجنبية
من قبل الطلاب والعائلات العربية؟
• إن نجاح مؤسسة التعليم العالي، هو الذي يزيد من حجم الإقبال عليها من الطلاب وزيادة الثقة فيها من الأهل، ثم هناك الصورة الذهنية للأهل والطلاب عن مؤسسات التعليم العالي الأجنبية. إذ يعتقدون أنهم سيتخرجون ممتلكين مهارات وقدرات علمية عالية تسهل عليهم إمكانية التوظيف والدخول إلى سوق العمل. ثم تأتي حاجة السوق المحلي العربي لمهارات واختصاصات علمية جديدة غير متوافرة في الجامعات الوطنية أو المحلية، تواكب التطور العلمي المتسارع في العالم عموماً، نتيجة ولادة اختصاصات ومهارات جديدة وحديثة خصوصاً في المجالات العلمية والتكنولوجية.

إلى ذلك، هناك صعوبة شروط قوانين الانتساب إلى بعض كليات الجامعات الوطنية ومنها المرتبطة بالحصول على معدلات علمية مرتفعة للانتساب إلى الكليات العلمية، كما هو الحال في المملكة الأردنية الهاشمية، الأمر الذي يشكِّل دافعاً قوياً للطلاب للتوجه نحو الجامعات الأجنبية.

• نشهد اليوم العديد من الجامعات التي تحمل
صفة أمريكية، ما فلسفة التعليم الأمريكي؟
• عندما نسأل ماذا تعني صفة أمريكية للجامعة الأمريكية في بيروت نقول وليس نفياً لتهمة، إننا لسنا جامعة أمريكية بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي، بل العكس من ذلك تماماً فنحن جامعة كانت ولا تزال منذ تأسيسها قبل 150 عاماً ساحة لعملية نقد مستمر على صعيد الطلاب، إذ أنتجت طلاباً من أقصى اليمين وأقصى اليسار، لأنها تسمح بحرية واستقلالية التفكير والنقد شبه المطلق.

وقد كانت الجامعة الأمريكية في بيروت أول من استقدم فكرة الثقافة العامة إلى جامعات الوطن العربي وذلك انطلاقاً من أن مؤسسة التعليم العالي هي مختبر شامل لتكوين المعرفة وصقل الشخصية، وما يميز التعليم الأمريكي أن السنة الجامعية الأولى ليست سنة اختصاص، إنما سنة تعرف على المواد التعليمية ليستطيع الطالب في السنة التالية تحديد الاختصاص الذي يتناسب وميوله وطموحاته وموهبته أو حاجته.

إذ إن تنشئة المواطن المثقف تفترض إنشاء مواطن قادر على إصدار أحكام، واتخاذ قرارات ويتمتع بقدرة على التواصل وتقديم نفسه للآخر بشكل جيد. وله الجرأة على تكوين الرأي وإبداء الرأي إضافة إلى احترام وتقدير الآخر.