لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟

تختلف مشاعر الطلاب وتتباين تجاه الأساتذة الجامعيين، إذ تسود نبرة مِن الكره المطلق وغير المبرر؛ ناجمة عن رسوب متكرر، أو في فجوة ما بين الأجيال، وحتى عدم تفضيل شخصي لهؤلاء الناس.

في المقابل، هناك إيقاعٌ مِن الاحترام والتبجيل، وأنّ الأستاذ هو بمثابة نبي على الأرض، مِن شدة علمه وغزارة إنتاجه الفكري والأخلاقي. فلا بد مِن احترامه، والوقوف له في الميكرو باصات حتى يجلس إذا هنالك

أيًا كان ما يتبناه الطالب، وأيًا كانت النظرة التي يُبصرها نحو الأستاذ الجامعي، فإن المستقبل التعليمي يشير لأن هذه المهنة في طريقها نحو التقلل، وأن أعداد الأساتذة ستأخذ خطًا بيانيًا للأسفل، في إشارة واضحة إلى نزول العدد وأفوله.

ترى ذلك الأستاذة الجامعية باتريشيا يونغ؛ التي امتهنت التدريس في جامعة ميريلاند الأمريكية، ولاحظت مؤخرًا أن الكثير من الجامعات الأمريكية؛ سواءً في الشمال أو الجنوب، لا سيما في كليات العلوم التقنية والمعلوماتية، بات الأساتذة الجامعيون فيها، يستخدمون ما هو أشبه “لأفاتار” دون الرغبة في الحضور الشخصي المباشر.

وكون باتريشيا من المهتمات بمجال تقنيات التعليم الجديدة، فإنها قد وضعت ثلاثة أسباب رئيسية، لكون المستقبل التعليمي سيحوي عددًا أقل من الأساتذة الجامعيين.

صعود الذكاء الاصطناعي بقوة على الساحة التعليميّة

وجدَ أحد التقارير الصادرة عن مؤسسة Educause Quick Poll لعام 2021، أن المؤسسات والمعاهد المعنية بالتعليم ومخرجاته، باتت تخصص جزءًا أكبر من استثماراتها، من أجل التركيز على تقنيات الذكاء الاصطناعي، متجاوزةً الاستخدام المحدود الذي كان يشغله فيما مضى.

إذ كان يقتصر مسبقًا على مواضيع المراقبة، والتحقق من الهوية والانتحال وما إلى هنالك. أما الآن فقد توسع وتمدد ليشمل المُجيبين الآليين والمساعدين، وغيرها من التقنيات التي تساعد على تعليم الطلبة والرد على استفساراتهم.

إن هناك أهمية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل نواحي ملموسة في حياة الطلبة، فمثلًا، كيف يمكن للكليات توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين عملية تعلّم الطلاب للتفاضل والتكامل؟ كيف يمكن توظيف هذا الذكاء من أجل جعل الطلبة يكتبون بشكل أفضل؟

ومن المعوقات التي تطرّق لها الاستبيان السابق، هي تلك التي لها علاقة بالتجهيزات الفنية، والدعم المالي، ونقص وجود خبرات قيادية قادرة على التحكم بخوارزميات ذلك الذكاء.

ويعتبر معهد ماساتشوستس للتقنية، ومعهد رينسيلار للتقنيات التطبيقية، في مقدمة المراكز التعليمية التي تسعى لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الطرق التدريسية.

إذ يقوم معهد رينسيلار بخلق بيئة افتراضية لسوق شعبي مفترض ضمن الصين، ليقوم بعدها الطلاب المتواجدون ضمن هذا المعهد بتعلّم اللغة الصينية -الماندرين- بالتفاعل مع “أفاتارات” افتراضية لشخصيات موجودة ضمن ذلك السوق.

أما معهد MIT فقد ضخّ ملايين الدولارات لتُصرف على الأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. ليعمل على تمكين الذكاء الاصطناعي في بيئة التعليم الأكاديمية أو الاجتماعية بشكل عام.

من خلال كل هذا، يمكننا أن نرى بوضوح أن الأساتذة الجامعيين أصحاب الشوارب الكثة في طور الأفول، وغالبًا لن يأتي أحدٌ ما مكانهم لأن شواغرهم ستُملأ بتقنيات غير بشرية. خصوصًا أن الجامعات بدأت تنحو تجاه استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والابتعاد عن التقليدية في الأسلوب التعليمي.

ثانيًا: تراجع النمط الأكاديمي التقليدي

يحمل المدرس والأستاذ الجامعي في أي بلد حصانة كبيرة، تمنع الكثيرين من محاولة نقده أو المساس بهِ. إلا أن هذه الهيبة المفروضة منذ زمن، قد تآكلت في الآونة الأخيرة خصوصًا فترة وباء كورونا.

حيث صوتت ولاية كنساس في هذا العام، لإعفاء بعض الأساتذة الجامعيين ضمن بعض الجامعات وذلك لتخفيف الأعباء المالية عن الجامعات في فترة الوباء.

إذ تشير التقارير المجراة ضمن الولايات المتحدة الأمريكية، أن الأساتذة الجامعيين المتعاقد معهم بعقود ثابتة طويلة الأمد قد تقلّص في السنين الأخيرة. إذ زادت نسبة الأساتذة المدرسين بعقود جزئية في الولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 1975 – 2015، من الرقم 55% إلى الرقم 70%!

فيبدو أن الجامعات قد استخدمت الوباء كحجة لصرف أولئك الأكاديميين الذين لم تعد مقاعد الدراسة بحاجة لهم، فكان أول فيروس قادم هو ورقة الإعفاء الخاصة بهم. لتحافظ بذلك الجامعات على أولئك المدرسين النشطين أصحاب الكفاءات، وتقيل أولئك الذين لم يعودوا مهمين.

ويبدو أيضًا أن أصحاب الكفاءات أيضًا، سيأتي يومٌ لهم، وسيُفعل بهم كأقرانهم السابقين أيضًا.