الشهادة الجامعية: ضرورة في سوق العمل أم ورقة لتزيين الحائط؟

هل تدرك أننا مقبلون على مستقبل قد تزاحمك فيه الآلات على الوظائف؟ توقف قليلًا إذًا، ربما حتى لن تحظى بفرصة المنافسة، مع وجود العديد من الشركات التي قلّصت عدد موظفيها، ومنحت الروبوتات وظائفهم، دعك من الجانب الإنساني الذي لا يؤمن به عالم الأعمال يا صديقي، وفكر بالشهادة الجامعية، هل هي فعلًا تكفي؟ هل هي ضرورة في سوق العمل؟ أم مجرد ورقة لتزيين الحائط؟

ستقول لي، “تعبت، درست، اجتهدت” وسأقول لك “ماذا جربت؟ كيف طورت نفسك خارج كتابك الجامعي؟ وكم طبّقت مما هو موجود فيه؟”، الأمر المبشر نوعًا ما، هو أن الروبوتات مهما بلغت من درجة ذكاء صانعيها، لن تتفوق على العقل البشري أبدًا، يكفي أن تدرك أن قليلًا من تطوير الذات، وتطوير المهارات والقدرات، ربما يكون كافيًا لتحقق تفوقًا عليها، وتمتلك إلى جانب الشهادة الجامعية، شهادات تدريبية أخرى معززة لها.

الشهادة الجامعية

يتوقع الخبراء أن تفقد الجامعة، بشكلها التقليدي الذي نعرفه، قيمتها وأهميتها مع مرور الزمن. ووفقًا للتوقعات، فإن الشهادات التدريبية، والكورسات المختلفة سواء المباشرة أو تلك القائمة على مبدأ التدريب عن بعد، ستكون البديل عن الدراسة الجامعية التقليدية، أي تخيل نفسك بعد 10 أو 20 عامًا، وأنت تمتلك شهادة جامعية لا تحمل أي قيمة أخرى باستثناء القيمة المعنوية، لا بأس، تأكد من اختيار برواز أنيق لها إن كانت تهمك كثيرًا! فربما لن تهمّ أحدًا آخر غيرك، تقول إني قاسية، وأقول لك، إنها الحقيقة ولا يد لي بها.

في العام 2019، توقع المنتدى الاقتصادي العالمي، أن يخسر الناس 75 مليون وظيفة لصالح الروبوتات بحلول عام 2022، مقابل 133 مليون وظيفة أخرى سيزداد الطلب عليها، وهي مرتبطة بزيادة الاعتماد على الروبوتات والذكاء الصناعي، إذًا، كن ذكيًا واختر التخصص الجامعي الذي يحمل لك مستقبلًا ينظر بقيمة إلى شهادتك الجامعية، دون أن تنسى تطوير مهاراتك.

بشر خسروا وظائفهم حقًا

قبل خمس سنوات، قالت دراسة أعدتها مؤسسة أكسفورد إيكونوميس البحثية، إنه بين عامي 2000 و2016، فقد الاتحاد الأوروبي 400 ألف فرصة عمل للبشر لصالح الروبوتات، والصين فقدت مليون وظيفة، بينما خسرت كوريا الجنوبية 1.6 مليون وظيفة، والولايات المتحدة الأميركية 1.2 مليون، وبقية العالم 1.7 مليون وظيفة.

بعد قراءة الأرقام الصادمة السابقة، ربما بدأت تتلمس على رأسك، متسائلًا، ما هي جدوى الشهادة الجامعية في عالم تسرق فيه الآلات وظائفنا نحن البشر؟ في الحقيقية يا صديقي الجميل، أتفهم مخاوفك، وهي بالتأكيد مخاوف محقة وينبغي تلافي تأثيرها على الفور.

ما هي الوظائف المهددة بتحولها إلى الروبوتات؟

إن كانت طالب طب أو قانون، لا تشعر بالراحة إزاء هذا الواقع، فهناك توقعات أن تحتل الآلات مكان الطبيب والمهندس والمحامي والقاضي أيضًا، إن تلك الآلات لا ترحم أبدًا، لكن تذكر أن العقل البشري الذي ابتدعها بهذه الإمكانيات قادر بسهولة التفوق عليها بذكاء ومهارة.

إن كنتُ قد أثرت فضولك أو مخاوفك قليلًا، وتود أن تعلم ما هو مستقبل الشهادة الجامعية التي تمتلكها، أو في طريقك لامتلاكها، عليك أن تسأل نفسك، هل مجال عملي مرتبط بابتكار الأفكار والتواصل مع الناس وتقديم المساعدة والدعم للناس؟ إن كانت الإجابة نعم، فثق أن شهادتك الجامعية بمأمن من أن تصبح مجرد برواز معلق على الحائط، لكن إن كان مجال عملك في حيز ضيق، ويعتمد على تجميع المعلومات والتعامل مع أجسام صغيرة، فأنت وشهادتك الجامعية مهددان بالفعل!

الطب

كطبيب فإن شهادتك الجامعية ليست بمنأى كثيرًا عن منافسة الآلات والخسارة أمامها، حيث يعمل جهاز كومبيوتر واتسون العملاق، مع أكثر من 10 مشافي في أميركا، ويؤمن تقديم أفضل العلاجات لمجموعة كبيرة من أمراض السرطان، ويساعد كذلك في تشخيص مرض سرطان الجلد مبكرًا!

أيضًا ولسنوات طويلة، ساعدت أجهزة الروبوت الأطباء في إجراء العمليات الجراحية، داخل مشافي بريطانيا، حيث تستطيع الروبوتات خياطة الأوعية الدموية التي تربط الكلى المتبرَّع بها في جراحات الكلى، كونها أكثر سرعة من البشر.

حتى اللحظة يعمل الروبوت بالتعاون مع الطبيب في المجال الطبي، لكن لا يمكن التنبؤ بما قد يخطر في بال مصممي الروبوتات مستقبلًا، يقول جيري كابلان وهو عالم حاسوب أميركي: “سوف يطلب المرضى رؤية روبوت يقظ بدلًا من طبيب مثقل بالأعمال، مقابل جزء من الرسوم”.

يبدو كلام كابلان منطقيًا بعض الشيء، ما يفرض عليك كطبيب -يود الاحتفاظ بوظيفته مستقبلًا- التمتع بمهارات أخرى، من بينها مهارات التواصل مع الناس وكسب ثقتهم، فهل تدرك كم أن المهارات الأخرى المعززة لشهادتك الجامعية توازيها في الأهمية، أم أنك ما تزال مطمئنًا على تلك الشهادة ولا تكترث بالحقائق من حولك؟ جواب هذا السؤال خاص بك، تمامًا كما مستقبلك الذي يعتمد أساسًا على كيفية إجابتك على هذا السؤال!

الصحفيون

كصحفية تعتبر نفسها نشيطة نوعًا ما، حين سمعت لأول مرة عن منافسة الروبوتات لنا، ضحكت في سري وسخرت من الفكرة، فكيف لروبوت أن يكتب قصة إنسانية، فالمواد الصحفية تحتاج روحًا لتنجح، وكيف سيستطيع من لا يمتلك روحًا بث روح في الكلمات؟! حسنًا، مبدئيًا أتمنى ألا أكون في عداد المتنمرين على الروبوتات!

لجأت شركة ناريتيف ساينس، للاعتماد على برامج قادرة على جمع البيانات وتحويلها إلى مادة مفهومة، وتقول الشركة إن نجاحها هذا يعني، أن فوربس تستطيع تقديم هذا النوع من التقارير للكثير من الشركات، عوضًا عن المواد الصحفية التي يكتبها صحفي بشري.

ويتوقع رئيس الشركة الأميركية، كريستيان هاموند، أنه في غضون 15 عامًا، تكتب الآلات أكثر من 90 بالمئة من الأخبار، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا لا يعني، فقدان 90 بالمئة من الصحفيين لوظائفهم، ويضيف: “يعني ذلك أن الصحفيين بإمكانهم توسيع نطاق مهامهم، وسوف تتسع أيضًا رقعة عالم الأخبار، لن يخلق الصحفيون قصصهم الإخبارية من البيانات. بل ستفعل الآلات هذا بدون شك”.

ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أنه وفي حال كنت صحفيًا روتينيًا، تكتب الأخبار المكلف بها ضمن صيغة برتوكولية واحدة، فسيتم الاستغناء عنك قريبًا لصالح روبوت قادر على صياغة ذات الخبر بأقل وقت وجهد، ودون أن يترتب على الشركة دفع أي رواتب، لكن إن كنت صحفيًا متمكنًا، طورت مهاراتك، في المفاهيم الصحفية العصرية، وقادر على كتابة قصة إنسانية إبداعية، أو إجراء تحقيق استقصائي موسع، فربما تكون بمنأى عن خسارة المنافسة مع روبوت! مرة ثانية انتبه، الشهادة الجامعية لم تعد ذات قيمة حقًا في سوق العمل، إنما هي إحدى الوسائل القيمة، لكن لا غنى على الإطلاق عن تطوير المهارات واتباع الكورسات التعليمية المختلفة.