التعليم عن بُعد.. فرص وتحديات وآفاق للمستقبل

أصبح التعليم عن بُعد ضرورة حتمية فرضتها تداعيات الحاضر وتطلعات المستقبل. واستناداً إلى أرقام البنك الدولي، كان نحو 1.6مليار طالب، يُمثلون %94 من إجمالي طلاب العالم، قد توقفوا عن الذهاب إلى مدارسهم في إبريل من العام الماضي 2020م، و“ما زال حتى الآن نحو 700 مليون طالب، يدرسون من منازلهم، في أجواء يلفها عدم اليقين والضبابية”. فقد أدَّت جائحة الكورونا إلى تحوُّل نموذجي في كيفية وصول المُتعلّمين من جميع الأعمار، وفي جميع أنحاء العالم، إلى التعلُّم. وبموازاة اختلاف نسب النجاح في التعليم عن بُعد باختلاف البلدان، تسعى الجهات المعنية على المستويات الوطنية والعالمية إلى تفحص هذه التجربة على ضوء ما تشهده منذ نحو سنة، لاستكشاف تحدياتها وتطويرها حيثما تستوجب التطوير.

مفهومه وتاريخه وتطوُّره

يُعرَّف التعليم عن بُعد بأنه مجموعة عمليات إجرائية، لنقل المعرفة إلى المُتعلِّم في موقع إقامته وعمله، بدلاً من حضوره شخصياً في المؤسسة التعليمية. ويخضع هذا النوع من التعليم للتخطيط والتوجيه والتنظيم من قِبل المؤسسات التعليمية. وإذا كان المفهوم الحديث للتعليم عن بُعد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بما أفرزته معطيات التقنية الرقمية، من تطبيقات تعليمية تفاعلية مُتقدِّمة صارت تُمثل المحور الرئيس في تطويره وتوسيع دائرة انتشاره، إلَّا أن هذا المفهوم يعود في جذوره إلى ما هو أقدم من ذلك بكثير.
ففي القرن الثامن عشر، بدأ التربوي الأمريكي كاليب فيليبس بتقديم سِلسلة أسبوعية من الدروس التعليمية عبر صحيفة “بوسطن جازيت”. وفي ألمانيا، أسس مُعلم اللُغة الفرنسية شارل توسان وزميله جوستاف لانجنشدات مدرسة تعلُّم اللغات بالمراسلة في عام 1856م، وظهرت أوَّل جمعيَّة لتشجيع الدراسة في المنازل في العام 1873م. وبعد ذلك بسنة، أطلقت جامعة إلينوي الأمريكية عام 1874م أوَّل منظومة مناهج خاصة للتعليم بالمراسلة، ظهر مثيل لها في عدة دول أُخرى.

في بداية عشرينيات القرن الماضي، مُنِح أوّل ترخيص لبث الدروس التعليمية عبر الراديو في بريطانيا. وفي عام 1934م بدأت جامعة ولاية آيوا الأمريكية بالبث التعليمي التلفزيوني. وفي عام 1939م تأسس المجلس الدولي للتعليم بالمُراسلة في فيكتوريا بكندا، وانطلق تطبيق مشروع Nova University التعليمي، الذي يُستَخدَم فيه لأوَّل مرة، وسائل اتصال مُتعدِّدة، مِثل (الراديو، والتلفزيون، وأدلَّة الدراسة، وأشرطة الكاسيت، وغيرها)، وذلك في عام 1964م.

ثم تصاعد الاهتمام بالتعليم عن بُعد مع ظهور الإنترنت، إذ شهد عام 1985م بث أول برامج الدراسات العليا عبر الإنترنت. وفي التسعينيات صار بالإمكان استخدام الوسائط الحاسوبية وشبكة الإنترنت في التعليم ما قبل الجامعي. وفي عام 2002م، أطلق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مُبادرة المُقررات التعليمية المفتوحة (MOCW)، التي تتضمَّن نحو 2,000 مُقرر مجّاني، يستفيد منها أكثر من 65 مليون طالب في 215 دولة. ومع ظهور مزيد من التطبيقات التفاعلية، تصاعد الإقبال على التعليم عند بُعد.
وفي نقاط، يُمكن تصنيف التعليم عن بُعد، وفقاً للتطوُّر التاريخي والتقني، على النحو التالي:

أ‌ . مرحلة التعليم من خلال المراسلة البريدية.

ب‌. مرحلة التعليم من خلال الراديو وغيره من الوسائل المسموعة، كأشرطة الكاست الصوتية.

ت‌. مرحلة التعليم من خلال التلفاز وغيره من الوسائل المرئية، كأشرطة الفيديو كاست، حيث تتوافر عناصر الصوت والصورة والحركة في نقل المعلومات.

ث‌. مرحلة الراديو التعليمي التفاعلي والتلفزيون التعليمي التفاعلي، حيث يُتاح من خلالهما التفاعل بين المُعلِّم والمُتعلِّم.

ج‌. مرحلة التعليم من خلال التقنية الرقمية، وما استُحدِث من أجهزة الحوسبة الثابتة والمحمولة، وغيرها من أجهزة الاتصال الذكي تتيح التعليم بنمطين: أولهما التعليم المُتزامن، الذي يكون فيه الاتصال مباشراً بين المعلّم والطالب. وثانيهما التعليم غير المتزامن، وهو تعليم متحرر من الوقت، حيث يستطيع المُعلِّم وضع مصادر التعلُّم مع خطة التدريس والتقويم على المنصة التعليمية، التي يدخلها المُتعلِّم في أي وقت شاء.

تصاعد التوجه العالمي نحو التعليم عن بُعد

ازداد الإقبال على التعليم عن بُعد، مع إطلالة الألفية الثالثة، وصار يُعوَّل عليه باعتباره مكمّلاً رئيساً للتعليم المدرسي والأكاديمي. وشهدت الشهور القليلة الماضية، طفرة في التعليم عن بُعد نتيجة الأسباب الآتية:

التقدُّم الكبير في تكنولوجيا التعليم

أوجدت الثورة الصناعية الرابعة تقنيات ونُظماً تعليمية عالية الذكاء الاصطناعي، وقادرة على مواجهة التحدِّيات التي يواجهها التعليم اليوم، مع إتاحة ابتكارات مستقبلية في ممارسات التعليم والتعلُّم. وبعدما كانت الاستثمارات العالمية في تكنولوجيا التعليم عام 2019م نحو 18.7 مليار دولار، تضاعفت في العام التالي، ومن المتوقع أن يصل سوق التعليم العالمي عبر الإنترنت، إلى أكثر من 350 مليار دولار بحلول عام 2025م.

وفي إطار تحقيق أقصى استفادة من التعليم عن بُعد، ظهرت تطبيقات جديدة، تعمل بتقنية إنترنت الأشياء التي يرى خبراء التعليم أنها سوف تحسِّن بشكل كبير عمليات التعليم والتعلُّم في المُستقبل.

الإسهام في تجاوز تأثيرات الجائحة

أثبت التعليم عن بُعد أنه الحل المثالي، الذي يُمكن الاعتماد عليه، ليس فقط من أجل استمرارية التعليم، ولكن أيضاً للحفاظ على صِحَّة الطلاب والمعلمين خلال فترات العزل الاجتماعي والحجر الصحي. وكان تقرير صادر عن البنك الدولي، تحت عنوان “تحقيق مُستقبل التعليم: من فقر التعلُّم إلى التعلُّم للجميع في كل مكان” قد أشار إلى أن إغلاق المدارس جرَّاء تفشي وباء كوفيد 19، زاد من تعميق أزمة التعليم العالمية، وزاد من ظاهرة “فقر التعليم”، التي يُعاني منها تلاميذ المرحلة الابتدائية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، من %54 إلى %63، فضلاً عن تعريض هذا الجيل من الطلاب، لخطر فقدان نحو 10 تريليونات دولار، من دخلهم المستقبلي، على مدار متوسط العمر، وهو ما يعادل نحو %10 من إجمالي الناتج المحلي العالمي.

تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المُستدامة

لا شك في أن الإصرار على مواصلة التعليم عن بُعد أعطى قبلة الحياة، للهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة 2030م، الذي ينص على”ضمان التعليم الجيد، المنصِف والشامل للجميع، وتعزيز فُرص التعلُّم مدى الحياة للجميع”.

فقد أعلنت اليونسكو أنها مُلتزِمة بدعم الدول الأعضاء لتسخير إمكانات تقنية الذكاء الاصطناعي، والتعليم عن بُعد، من أجل السير قُدماً نحو تحقيق أجندة الأمم المتحدة للتعلُّم 2030م، ومعالجة عدم المساواة الحالية في ما يتعلق بالحصول على المعرفة، والبحث، وتنوع أشكال التعبير الثقافي.