أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل

يعتقد بعض علماء النفس وأبرزهم ليون فيستينجر أن رغبتنا في مقارنة أنفسنا بالآخرين هي دافع فطري يقارب الجوع والعطش، إلا أنه في حقيقة الأمر أن المقارنات تسرق بهجة الإنسان وتقضي على فرصة استمتاعه بحياته، فعندما يقارن الإنسان نفسه وإنجازاته بالصديق والأخ والجار والشخصية الشهيرة عبر السوشيال ميديا.

حتمًا سينتهي به الأمر بالشعور بالدونية والانطفاء ويصيبه الكدر والغم لأنه ببساطة لا أحد يستطيع أن يقارن نفسه بكل هؤلاء ويكون صاحب المركز الأول دائمًا. هذا بالنسبة للبالغين، فكيف الحال مع الأطفال اللذين يجدون أنفسهم دومًا في سباقات ومقارنات مع أقرانهم ومطالب منهم دومًا وبصورة لا تنقطع الحصول على المركز الأول في الدراسة وفي التمارين الرياضية وفي الرسم والموسيقى وحفظ القرآن.

يرى الباحثون أن مقارنة الطفل وإمكانياته بطفل آخر حتى ولو كان أخاه يؤثر على ثقة الطفل بنفسه وبمواهبه وقد يؤثر على مستقبل الطفل بأكمله. فكلنا ما زال يتذكر ذلك المعلم الذي وصفه بالفشل في مادة دراسية ومازال يكرهها حتى الآن، وكلنا يعلم في داخله أن يكره ذلك الجزء من جسده لأن أحد الأقارب أخبره بسوء شكله مقارنة بأخاه أو أحد أبناء عمومته… في هذا المقال نحاول توضيح أثر المقارنات على الطفل.

أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول

يسعى جميع الأباء لتوفير فرص التعليم المناسبة لأولادهم ويتمنون النجاح دومًا، لكن من القائل بأن صاحب المركز الأول هو فقط الشخص الذي يمكنه النجاح في الحياة؟

هذه السطور بالطبع ليست دعوة لإهمال الدراسة، ولكن للأسف ما زال نظام التعليم في الدول العربية يُقيْم الطلاب فقط من خلال درجاتهم الدراسية، فالفصل الموجود بداخله عدد من الطلاب المختلفون في درجة التركيز والقدرة على الاستيعاب وفروقات فردية كبيرة جدًا يؤدون امتحانًا واحدًا يُقيمون جميعهم من خلاله. ثم تأتي النتيجة بالتقسيم المعروف.

صاحب الدرجات النهائية هو صاحب المركز الأول وهو الشخص الأنجح من بين أقرانه. ثم تتدرج التصنيفات بين الممتاز والمتوسط والمقبول. كم من شخص عاش حياته كأنه شخص ضعيف في كل شيء بسبب تلك الدرجات؟ وكم شخص عاش خيبات متتالية بسبب فشله في النجاح بوظيفة معينة وهو الذي عاش حياته صاحب المركز الأول؟

من هنا يجب على الوالدين والمعلمين أن يضعوا تلك الاختبارات في مكانها الصحيح، هي فقط وسيلة يقيس بها المعلم مدى استيعاب الطلاب للدروس دون تقييم شخصي لأي طالب.

المنهج بالنسبة لهؤلاء مجموعة من المعلومات التي يتم كتابتها  وفق نمط محدد بقواعد معينة سواء أكانت هذه المعلومات صحيحة أم تم اثبات خطؤها بالفعل. كذلك من أسباب ضعف المناهج الدراسية هم المعلمين ، فالمعلم الآن أصبح أقرب الى الحِرفي الذي يسعى الى تشكيل قالبٍ معين. نعم هذا القالب هو الطلاب بالطبع. على المعلم فقط أن يقوم بقراءة الكتاب المدرسي مع بعضٍ من الكتب الأخرى ثم يقوم بصب هذه المعلومات داخل عقول الطلاب .

لا يهم الطريقة التي يتم بها ذلك، لا يهم صحة أو خطأ المعلومات، لا يهم هل هذا هو النظام الأمثل الذي يفيد الطلاب! إذا كان هذا حال المعلمين، إذًا كيف تتوقع أن يكون سلوك الطلاب!

بل بالعكس، في الكثير من الأحيان ترى الطلاب يتسمون بصفات الإحترام والوقار والتنظيم في حين أن معلميهم يفتقدون هذه الصفات وهو ما حدث معي بالفعل أثناء أحد الندوات التعليمية .

وأصبحت بمثابة عدوٍ للمعلمين ومحط سخطهم وسخريتهم! وعليك أن تتخيل كم الإتهامات التي حصلت عليها! ثم بالنهاية يتساءلون جميعًا لماذا يبدو التعليم في الوطن هكذا؟! حسنَا حاول التفكير في إجابة ملائمة لهذا السؤال .

هناك العديد من الرغبات التي يمتلكها الطلاب من أجل مستقبلهم، هناك من يرغب بدراسة الطب، ومن يرغب بدراسة الهندسة، ومن يرغب بدراسة الإقتصاد… المشكلة تكمن في الشروط الغريبة التي ينبغي الحصول عليها من أجل دراسة ما ترغب به.!

بدلًا من تنمية مهارات الطلاب منذ الصغر في المجالات التي يرغبون بها، يحاول النظام التعليمي منعهم من الإبداع عن طريق وضع نظام تعليمي مُـسـتَـغرب الشروط! عليك فقط الحصول على درجاتٍ في موادٍ لا تمثل ما ترغب به من قريبٍ أو بعيد.